هايتي: كيف صنع العبيد أول ثورة ناجحة في التاريخ؟
عندما أسر الفرنسيون العبد السابق و الثائر الحالي توسان لوفرتير قال كلمته الشهيرة التي خلدها المواطن الهايتي كرسالة تتجاوز الزمن و قاعدة لكل من يطمع في السيطرة على هايتي "من أجل إطاحتي، قطعتم جذع شجرة الحرية. لكنها ستنبت مرةً أخرى من الجذور لأنها عتيدةٌ وعميقة" نعم كان مؤمنا أن الحرية ستنبت بعده كما كانت معه ، لأنها عميقة في الوجدان الهايتي لا تقبل النقاش، لنعد قليلا إلى الخلف لنوضح الصورة لي ولك إذ أراك مثلي أحسبُ نفسي خبيرا جغرافيا بمعرفتي لدولة في منطقة الكاريبي تسمى هايتي ، أعرفها فقيرة، نائية، تعرضت لعدة أعاصير ولكن الحقيقة أعمق من ذلك وأقسى
هايتي والاستعمار: تاريخ حزين
كانت هذه المنطقة مستعمرة إسبانية تضم جزيرة " هيسبانيولا " ولكن تنازلت عن جانبها الغربي "سانت دومينغ" لفرنسا عام 1697م. وبحلول نهاية القرن الثامن عشر، عُرِفَت المستعمرة باسم "لؤلؤة جزر الأنتيل"، كونها أغنى مستعمرات البحر الكاريبي، إذ كانت تنتج حوالي نصف السكر والبن في العالم كلّه. وقد مثَّلَت وحدها 40% من تجارة فرنسا الخارجية ، أما بالنسبة للسكان فكان العبيد هم الغالبية إذ قامت فرنسا بتزويد هذه المستعمرة التي تعتبر من أغنى المستعمرات وأكثرها منفعة لها بحوالي 500 ألف عبد كانت نسبة 60٪ من أنغولا والكونغو مع وجود دول أفريقية أخرى مثل نيجيريا وتوغو وهو ما جعل أي مزرعة في سانت دومينغ تضم عدة لغات ولهجات مختلفة ، وأمام حقيقة الانقراض الوشيك للسكان الأصليين قامت فرنسا بنظام وحشي يجعلنا ندرك مدى تجرد هذا المستعمر ونظرته الدونية لحياة العبيد في سبيل الإنتاج الدائم ، إذ مع ظروف العمل القاسية وانتشار الملاريا والحمى الصفراء كان يقدر عمر العبيد في تلك المستعمرات بين 7 إلى 10 سنوات فقط وهو ما جعلها تجدد السكان المستعبدين باستمرار بحوالي 30 ألف عبد جديد كل سنة في وتيرة مضطربة أدت إلى أن حوالي 70٪ من السكان المستعبدين من مواليد افريقيا بالأساس ، وبما أن نسبة 87٪ من السكان كانت عبيدا ، فمن الطبيعي أن تكون نسبة الملاك قليلة جدا إذ لا تتعدى 5٪ أي ثلاثين ألف فرنسي ، مع وجود طبقة بينهما تسمى " الملونين الأحرار " كانت بين الاثنين فلا هم مستعمرين ولا مستعبدبن ،مزيج من كليهما إذ كانت فيهم قلة غنية تسيطر على ربع الأرض وثلث العبيد في المستعمرة وبسبب الدونية التي كانوا يعاملون بها من قبل الفرنسيين على الرغم من خدمة الكثيرون منهم في الكفاح العسكري من أجل استقلال المستعمرات الأمريكية. ومع ذلك، كان هؤلاء لا يزالون يتعرَّضون للتمييز من قبل الفرنسيين، ويُمنَعون من تولي المناصب العامة والعمل المهني، وحتى من ارتداء ملابس معينة وركوب العربات والأهم من ذلك كله أنه كانت لهم روابط قوية مع أفكار التنوير والحرية والعدالة وهو ما جعلهم يطالبون بحقوقهم
الثورة : مصيرٌ لا فكاك منه
في ليلة الأحد 14 أغسطس/آب من عام 1791 اجتمع 200 رجلا من الأفارقة المستعبدين الذي مثلوا حوالي مئة مزرعة في مستعمرة سانت دومينغ الفرنسية في جزيرة هيسبانيولا ( هايتي والدومينكان حاليا ) لكي يناقشوا خطط الثورة الوليدة ، التي قامت على تساؤل بسيط ، كيف للفرنسي أن يثور( الثورة الفرنسية 1789م ) مطالبا بالحرية والمساواة ؟ و هم مستعبدون يتعرضون لأقسى معاملة دون أجر ولا حقوق ،كانوا مدركين للفوضى وعدم الاستقرار الذي حدث بسبب زلزال الثورة في القارة العجوز لذا خططوا لثورة تعم المستعمرة كاملة ، وهكذا بدأت الثورة ليلة 22 أغسطس (أي بعد ثماني ايام فقط من اجتماع القادة) بحرق المزارع وقتل أصحابها المستعمرين الذين كانوا مكروهين بطبيعة الحال، وانضمت باقي المستعمرات بسرعة متسلحين بأي أسلحة يمكنهم العثور عليها مؤمنين بالحرية بعد أمد طويل من القهر و الاستعباد والظلم وفي غضون شهر واحد كانت هي أكبر ثورة في أمريكا الشمالية إذا ضمت أكثر من 100 ألف من العبيد السابقين الثوار الحاليين كما أضرمت النار في ألف مزرعة وقتل أكثر من ألف فرنسي معلنا ببدء ثورة عبيد تنشد الحرية والمساواة متأثرةً بثورة سيدها على سيدها- ويا للمفارقة - طمعا بغدٍ أفضل ، كان أحد أبرز القادة الأوائل لهذه الثورة رجل يدعى دوتي بوكمان، الذي طَلَب من الحاضرين "الاستماع إلى صوت الحرية الذي يتحدَّث في قلوبنا جميعاً". كان بوكمان إفريقياً مستعبداً في جامايكا، وبعد شهور قليلة من قيادته للثورة قتله الفرنسيون في نوفمبر/تشرين الثاني 1791 وعرضوا رأسه على الملأ ليبدّدوا الهالة التي كانت حوله من كونه "زعيماً لا يقهر". وفي محاولة يائسة لفرنسا لإعادة السيطرة على المستعمرة أرسلت جيشا مكونا من ست ألاف جندي بقيادة فيليسي سونثوناكس وبدأ أولا بالتحالف مع الملونين الأحرار المنتفعين من قمع الثورة ولكن جهوده لم تأتي بجديد ، بل زادت الأمور تعقيدا بإعلان اسبانيا وبريطانيا حربهما على الثورة الفرنسية و هو ما أجبر القائد الفرنسي بإصدار قرار تاريخي يقضي بإلغاء العبودية بعد سنتين فقط من الثورة ، ومع كل هذه القوى المتصارعة ( بريطانيا وفرنسا واسبانيا ، الملونين الأحرار ) حاول كلٌ منهم تجنيد الثوار لصالحه ، ولكن في هذه الفترة الحرجة ظهر توسان لوفرتير زعيما رئيسياً للثورة وحارب اولا مع الاسبان ضد الفرنسيين ولكنه لاحقا انضم إلى فرنسا سنة 1794 إذ عينوه نائبا للحاكم والقائد العام للجيش الفرنسي في المستعمرة ، كان واضحا للمهتمين بشأن الثورة فلسفة توسان لوفرتير البراغماتية التي تتميز بتغير الحلفاء حسب الظروف حتى سيطر كليا على المستعمرة وتسبب في انسحاب اسبانيا عام 1795. و بريطانيا التي انسحبت بدورها عام 1798 وهو ما جعله يقوم بتأسيس نظام جديد للحكومة أعطاه بعض السلطات الديكتاتورية كما قام بإنشاء أنظمة قانونية و تعليمية جديدة ، لم يلق نظام لوفرتير الجديد استحساناً لدى الجميع، إذ فضَّلَ العديد من العبيد السابقين زراعة أراضيهم الخاصة بدلاً من العمل لصالح الحكومة، واضطر لوفرتير إلى قمع تمرُّدٍ كبير قاده ابن أخيه بالتبني، الجنرال مويس. ومع ذلك، كانت هناك بعض النجاحات الملحوظة، وعاد إنتاج البن إلى 60% من مستويات ما قبل الثورة. ، ومع صعود نابليون للحكم و ترتيب شؤونه لم يكن راضيا عن السيطرة الكلية لتوسان على المستعمرة وسعى إلى إسقاطه بالخداع و محاولة التحالف مع رفقائه ، وفي النهاية حوصِرَ لوفرتير من قِبَلِ الفرنسيين واعتُقِلَ ورُحِّلَ إلى فرنسا، حيث تُوفِّيَ في السجن عام 1803. ليقول عند اعتقاله للفرنسيين: "من أجل إطاحتي، قطعتم جذع شجرة الحرية. لكنها ستنبت مرةً أخرى من الجذور لأنها عتيدة وعميقة".
ديسالين : طعم الحرية لا يذاق إلا بسفك الدماء
مع سيطرة فرنسا من جديد وفرضها لقوانين قاسية على الملونين الأحرار والعبيد عادت الثورة من جديد إذ توحدت بقيادة جان جاك ديسالين، وكان هدف المقاومة هو اسقاط المستعمر للأبد وقد ساعد في ذلك انتشار المرض في صفوف القوات الفرنسية إذ مات حوالي 8 ألاف جندي بسبب الحمى الصفراء ، وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1803 هَزَمَت القوات الثورية الجيش الفرنسي في معركة فيرتيير، مِمَّا أدَّى إلى استسلام الغزاة بشكلٍ نهائي. هَزَمَ شعب سان دومينغ الجيوش الرئيسية الثلاثة في أوروبا، وحرَّروا أنفسهم أخيراً من العبودية والعنصرية. وفي الأول من يناير/كانون الثاني 1804، أعلن ديسالين إنشاء جمهورية هاييتي الجديدة، التي سُمِّيَت بالاسم الذي أطلقته قبائل التاينو الأصليون على جزيرة هيسبانيولا، وقد قال ديسالين: "لقد قدَّمت الدم بالدم للسفاحين الفرنسيين، لقد انتقمت لأمريكا – المستعمرة".
كان إعلان الجمهورية السوداء في منطقة الكاريبي حدثا تاريخيا كأول ثورة عبيد ناجحة في تاريخ البشرية ، والتي أدت إلى تشكيل جمهورية أفريقية خارج أفريقيا تعترف بحقوق الجميع ولا تميز بين لون وآخر ، ولكن ليس الوضع دائما بهذه الفانتازية الحالمة إذ بعد تحرر هايتي تعرضت لمقاطعة وعدم اعتراف من الدول العظمى مخافة انتشار هكذا نموذج ثوري ، كما تعرضت لعقوبات مالية من فرنسا للاعتراف بها وهو ما أنهك الاقتصاد الهايتي الضعيف..
لاحظت أن آخر مقالين عن الثورة و نتائجها ، وعلى الرغم التشابه بين ثورة الحيوان في مزرعة جونز و ثورة لوفرتير في هايتي ضد الاستعمار لا تزال لدي أسئلة عدة عن مصير الثورات و تفكيك أسبابها وتبيان ماهيتها ، فلو أعجبكم هكذا محتوى يمكن أن نواصل فيه مع تعمق أكثر و عرض نماذج متنوعة كشخصيات و دول ،
ما رأيكم ؟



