إليك صديقي الإنسان... هل جثمت على روحي خمرة ما؟
إليك صديقي الإنسان... هل جثمتْ على روحي خمرةٌ ما ؟
الإنسان بطبيعته كائن فطنٌ، يدرك الأمور ويحسُ بالتكرار وتأسِرهُ التفاصيل بعبثيتها الفاضحة ، والعقل بكسلهِ يعشقُ الثوابت ويُقدسُ السكون والركود ، فتتباينُ الأذواق بإختلافها و ينزوي الأخلاء كلٌ في ركنٍ بعيد في هذا العالم ، وهناك أشخاص خارج تلك التصنيفات والجماعات ، ذاك الفتى ليس كباقي الفتية بتفردهِ العجيب إذ لا تراه إلا جالساً في آخر كرسي من الفصل يراقب السقف كمحبٍ غارق في تأمل تفاصيلٍ حُجبتْ عن باقي البشر لا يراها إلا من ذهب لبهُ وعَمت بصيرته في حسنٍ بديع وغنجٍ مثيرٍ ، ولكن هو غير ذاك بكل تأكيد فهو يرى العالم من زاوية تلونت بلون الفردانية فلا جمعٌ يستهويه ولا تريندٌ يغويه ، يرى أن عدم الخوض في سفاسف الأمور أصلحُ فالمعارك الصغيرة تُثبطُ من سعي النفوس لبلوغ مرامها وغايتها الأعظم ، كل شيء عنده فيه لمحات من روحه فهاتفهُ محكومٌ عليه بصمتٍ أبدي ، إذ لا يرى حاجةً له ومع ذاك وضعية عدم الإزعاج قدرٌ محتومٌ على كل جهازٍ يقتنيه في دكتاتورية صغيرة الحجم ، وما شدني إليه وجعلني أتعجبُ من ندرة هكذا بشر هو كرههُ الشديد للإستعراض و هوس الشهرة الغارق فيه جلُ أترابهِ وقرنائه ففي مرة جلستُ معه فإذا به يغدقُ علي من عجائب الأدب وغرائبه ، فكان يتكلم وعلى وجهه ابتسامة نادرة وهو يحدثني عن إشكالية كامو وهل هو عبثيّ كما يقولون أم وجودي كما أخبر هو ولم أكد استوعبُ واهضمُ ما قال حتى طار إلى الأدب اللاتيني قائلا لي : هناك حيث ترى الإنسان متجرداً من كل شائبةٍ هناك تحسُ بالإنسانية على طبيعتها والأدباء في تلك البقعة صريحين حد الوقاحة ولكن كيف للإنسان أن يوصلُ شعورا تشوبهُ الأكاذيب ؟... عرفتُ إذ ذاك أن الناس أغبياء لكي يظنوا أن السير مع القطيع ينجي ، فسيدركُ أحدهم بعد حين أنه لم يعشٔ بل ألقى بنفسه في حياةِ طوباوية المعالم محاولا التماهي معها وتقليدها بدل تجربة كل جديد وشقَ طريقٍ خاصٍ بنفسه يسمى حياتي ...
لا أدري من هذا ولا ذاك ولكن هذا شخصٌ يشبهني أو يشبه معارفاً لي أو قد يكونُ تصورا غير واعٍ نسجه عقلي من تلقاءِ نفسه ، فهل اختلط الزيت بالماء كما اختلط الواقع بالخيال وأنا أكتبُ هذه الأسطر من رؤيةٍ ضبابية لأناسٍ ، ومع تخيلات لأخرى أكثر جموحاً فهل جثمتْ على روحي خَمرةٌ ما ؟
" تحت تأثيرٍ صمتٍ مخيف ودخول مفاجئ لميّادة الحناوي "
1:36 10/05/25

