هل تموت ببطء وأنت لا تدري؟
في إحدى ليالي ديسمبر الطوال، غير منتظرٍ لجديد، ولا طامعًا في زائر، لاتينيٍّ أحبّ الحياة والطبيعة حدَّ العبادة، أذكر أنّ أنطونيو سكارميتا لم يدرك، حين كتب روايته ساعي بريد نيرودا، أنّه فتح بابًا صغيرًا بحجمه، لا يُقدَّر بقيمته لي؛ إذ عرفتُ نيرودا على لسان معجبٍ تذوّق شعره وعاش في عالمه الجميل.
كان بطل تلك الرواية ساعيَ بريدٍ في تلك القرية التي يسكنها نيرودا، وبعد زمنٍ يبدأ شاعر تشيلي العظيم بتعليم هذا الفتى كيف ينظر إلى الحياة، وكيف يستغلّ اللغة حتى تُنير طريقه، وكيف يُمسك بالاستعارة والتشبيه، فهما سلاحاه في ربط هذا الوجود بعالمه من بحرٍ وشجرٍ وبشر.
وبعيدًا عن نهاية تلك الرواية وكل ما حدث فيها من أحداث، عشقتُ نيرودا، وشعره، وعالمه، وتشيلي بكل غاباتها وناسها. ولا يمكن اعتبار هذه الكلمات سيرةً له، بل هي رسالة امتنان لإنسانٍ حاول أن يعيش رغم كل الظروف؛ نعيٌ متأخّر.
في آخر عمره، يقف ضعيفًا، متَّهَمًا سياسيًا، أمام الجنود وهم يدخلون منزله، يفتّشون عن السلاح، متّهمين إيّاه بالتخطيط لمحاولة الانقلاب على نظام أوغستو بينوشيه. عندها فقط نطق كلماتٍ خُلِّدت في التاريخ؛ كلمات لشخصٍ أدرك قيمة الكلمة وتأثيرها، شخصٍ عاش حياةً تكفر بالهدوء و«الموت البطيء». قال للجنود:
«ابحثوا في كل مكان، لن تجدوا عندي أخطر من القصائد».
لنعد قليلًا إلى الخلف…
وُلد بابلو نيرودا، واسمه الحقيقي نفتالي ريكاردو رييس باسولاتو، يوم 12 يوليو/تموز 1904 في مدينة بارال بتشيلي، ونشأ في كنف والده الموظف في سكّة الحديد، بعدما توفّيت والدته بعد وقتٍ قصير من ولادته. نعم، هذا الاسم مجرّد لقبٍ فنّي اختاره لنفسه بعد أن تنقّل بين عدّة أسماء كان ينشر بها في صحفٍ محليّة وجامعيّة. درس اللغة الفرنسيّة، ثمّ اتّجه إلى الأدب. سافر قنصلًا لتشيلي إلى عدّة دول، من المكسيك إلى إسبانيا مرورًا بباريس. أمّا فكريًا، فكان نيرودا مؤمنًا بالشيوعيّة، حالمًا بها حلًّا للبشريّة، ودستورًا يحفظ حقوق جميع البشر، لا يميّز بين قويٍّ وضعيف.
«آه، يا حبيبتي، لما أحببتكِ!
في عناقكِ أعانق كل الوجود:
الرمل والوقت وشجرة المطر.
وكل ما هو حيّ يعيش كي أحيا أنا.
لا أحتاج مسافةً كي أرى الأشياء،
فيكِ أنتِ أرى الحياة كلّها.»
— مائة سونيت للحب
لا يمكنني أن أتخيّل نيرودا من دون الطبيعة؛ فهي خياله الذي تولد منه العِبرات، وجنّته التي يركض فيها سعيدًا. فهو لم يتغزّل بمحبوبة، ولم يذكر امرأة، إلّا وربطها بالطبيعة؛ لا وصفًا لها من خلالها، بل يذوب الفارق بينهما ويغدوان شيئًا واحدًا، كلٌّ منهما يشكّل جزءًا من كينونة الآخر.
يقول بأجزل العبارات وأرقّها في مذكّراته أعترف بأنني قد عشت، واصفًا تجربته:
«اعتدتُ ركوب الخيل. اتّسع عالمي صعودًا وخارجًا على طول المسارات الطينيّة الشاهقة، وفوق الطرق ذات المنعطفات المفاجئة. صادفتُ النباتات المتشابكة، والصمت، أو أصوات الطيور البريّة، والانفجار المفاجئ لشجرةٍ مزهرة ترتدي أثوابًا قرمزيّة كأسقفٍ عملاقة للجبال… أو من حينٍ لآخر، عندما لا أتوقّع ذلك، زهرةً جَرَسيّة، بريّة، لا تُروَّض، لا تُقهر، تتدلّى من الأحراش كقطرة دمٍ طازجة. شيئًا فشيئًا، اعتدتُ على الحصان، والسرج، ومعدّات الركوب الصلبة والمعقّدة، والمهاميز القاسية التي تُصدر صوتًا عند كعبيّ. على طول الشواطئ الممتدّة أو التلال المكسوّة بالأحراش، بدأت علاقة روحيّة بين روحي — أي شعري — وأكثر الأراضي عزلةً في العالم. كان ذلك منذ سنواتٍ عديدة، لكن تلك العلاقة، ذلك الكشف، ذلك العهد مع البريّة، لا يزال جزءًا من حياتي.» (ص 18)
ما ميّز حياة نيرودا أنّه كان شاعرًا؛ شاعرًا بالحياة بكل تفاصيلها. كان يقدّس الأمور البسيطة واللحظات العابرة التي تتكرّر مئات المرّات في أيّامنا. يقول:
«ربّما لم أعش في عالمي الخاص فحسب، بل عشتُ حياة الآخرين… حياتي هي حياةٌ مُركَّبة من كلّ تلك الحيوات: حياة الشاعر».
كما أثّرت الحرب الأهليّة الإسبانيّة في نظرته للحياة وأسلوبه الشعري؛ فبعد صدمة فقدانه لأعزّ أصدقائه وأقربهم بمقتله، فيديريكو غارثيا لوركا، انقلب من ذاك الشاعر الحسّاس الموغل في الرمزيّة إلى سياسيٍّ مباشر، يوصل الفكرة بكل وضوحٍ وصفاء، مفهومةً للمواطن البسيط؛ فهو الهدف الأسمى، وإقناعه هو أوّل التغيير. ولا يمكن إلّا أن أورد هذه الفقرة التي تُلخّص الغاية من الشعر عند نيرودا، وكيف يستشعر أنّه أثّر في غيره:
«لقد عشتُ من أجل شعري، وشعري هو الذي غذّى كلّ ما سعيتُ إليه. وإن كنتُ قد نلتُ جوائز كثيرة، جوائز عابرة كالفراشات، هشّة كحبوب اللقاح، فقد حقّقتُ جائزةً أعظم، جائزةً قد يسخر منها البعض، لكن قليلين هم من ينالونها… تلك هي مكافأتي. لا الكتب والقصائد التي تُرجمت، ولا الكتب التي كُتبت لشرح كلماتي أو تحليلها. مكافأتي هي تلك اللحظة العظيمة حين خرج رجلٌ من أعماق منجم لورا للفحم، من النفق إلى ضوء الشمس الساطع على حقل النترات المتوهّج، كأنّه صاعدٌ من الجحيم، وجهه مشوَّه من عمله الشاق، وعيناه ملتهبتان من الغبار، ومدّ يده الخشنة إليّ — يدٌ ترسم خطوطها وندوبها خريطة سهول البامبا — وقال لي وعيناه تلمعان: أعرفك منذ زمنٍ طويل يا أخي. ذلك هو إكليل الغار لشعري…» (ص 179)
ولا يمكن، أعزّائي، أن أتكلّم عن نيرودا من دون أن أجعل نصف الحديث لرائعته وخالدته التي توقظنا من غفلتنا، وتحيينا من موتنا البطيء. نعم، هو بطيء…
«يموت ببطء
من لا يسافر
من لا يقرأ
من لا يستمع إلى الموسيقى…»
آه يا نيرودا، كم الحياة جحيمٌ من دون قراءة؛ لا لون لها ولا متعة فيها. كيف أُخبر من لم يقرأ أنّي أدمنتُ دوبامين الكتب، وأنّي أسهر أجادل تشيخوف في الطريقة التي يترك فيها شخصيّاته تحارب للبقاء أمام واقعٍ مرير؟ كيف أقنعه أنّي أستمتع وأنا أرى ألبير كامو يواجه العدم بمفرده، يحاول إيجاد معنى لحياته فتغلبه عبثيّته؟
آه يا نيرودا، لو تعلم مقدار حبّي لهذه القصيدة، ولك!
لا يمكن أن أعلّق أكثر. سأترككم مع هذا «الموت البطيء»…
يموت ببطء
من لا يسافر
من لا يقرأ
من لا يستمع إلى الموسيقى
من لا يعرف فضل عينيه
يموت ببطء
من يدمّر حبَّه الذي بناه
من لا يرغب في مساعدة أحد
يموت ببطء
من يصبح عبدًا للعادة
من يعاود كل يومٍ الطرق نفسها
من لا يغيّر أبدًا سِمَته
من لا يجازف أبدًا بتغيير لون ملابسه
من لا يتحدّث أبدًا مع غريب
يموت ببطء
من يتجنّب عاصفة الحب
وزوبعة المشاعر
التي تعيد البريق للعيون
وتصلح القلوب الجريحة
يموت ببطء
من لا يغيّر المكان
عندما يحسّ التعاسة
في العمل أو الحب
من لا يركب المخاطر
لتحقيق أحلامه
من، ولو مرّةً واحدة في حياته،
لم يتهرّب من النصائح الرصينة
عِش حياتك الآن
جازف اليوم
هيّا بسرعة
لا ترهن نفسك لموتٍ بطيء
لا تحرم نفسك من السعادة
و في النهاية يتركني نيرودا وحدي في محاكمة مع نفسي ، فقصائده لا تنقذ بقدر ما تكشف ولا تواسي بقدر ما تفضح ، يشعرنا أن حياتنا لا تموت فجأة بل تتآكل ببطئ وأن أخطر ما نفقده ليس الفرح بقدر ما هو القدرة على الإحساس به ، عِش، سافر ، إقرأ ، جرب ، أحب ، أكفر بالعادة والرتابة ، وعد دائما لنيرودا لتدرك أنها هذا الثقل الذي تحمل في داخلك هو الحياة... وأن الموت البطيئ أقرب مما ظننت


