الوطن هو ألا يحدث ذلك كله: تأملات في رواية غسان كنفاني
عائد إلى حيفا - غسان كنفاني
في رحلة العودة إلى الوطن لا مالكين للأرض المسلوبة بل زائرين لها، تتجلى المصيبة وتغدو الذاكرة في صراع مع التغيير تأبى قبول الحاضر بقساوته ومفارقاته، إذ يصبح المغتصب للأرض الساكن عليها يحاول بيأسٍ إخضاعها، فتأبى أن تنسلخ عن ماضيها، ما يجعل لحظة عودة عائلة مكبولة بحثًا في الماضي عن رضيع نُسي سهوًا فعلًا تأخر عشرين سنةً وبات تاريخًا يُبنى عليه حاضرٌ ومستقبل من التنكيل والتهجير...
• الشخصيات والرموز:
في فلسطين لا تعتبر العودة فعلًا اعتياديًا بل أملًا يراود شعبًا بأكمله، عودة كل من أجبرته الظروف على هجرة الوطن والاغتراب عنه، فهي فعل مقدس لا طريقٌ يُقطع أو تذكرة عودة تُشترى...
قدّم لنا كنفاني سعدًا وصفية وجهًا لقضية أمة وشعورًا كامنًا بالخذلان والعار، فهما يستشعران في كل حين مرارة الهرب والنزوح ويُرجعان اللوم عليهما لا على الظروف، ففي داخل كل فلسطيني شعور بالعجز أو القهر على سلب أرضٍ وطمس هويةٍ، فكانت العودة تشكل كامل اللحظة فيمران على الشوارع التي فارقاها عشرين سنة ويسميانها بأسماء ذاك الزمن. وهنا نرى أن الأرض هي نفسها ولكن جرى عليها فعل التغيير، فأصبحا كمن قُذفا في زمن آخر.
. البيت بوصفه رمزًا مركزيًا كان أكثر ذا قيمة من أنه مجرد جدران، بل فضاءً متنازعًا للذاكرة، يمثل الأرض المقدسة، فوجود "ميريام" فيه يجسد مشروعًا صهيونيًا يستولي على الجدران ويعيد كتابة القصة، والأثاث لم يكن بمنأى عن الترميز، فهو نفسه لم يتغير بل السردية هي التي غيرته، فأصبح مألوفًا للعائدين وغريبًا في آن، كأن الاحتلال لم يتقاعس في إبادة أي شيء يذكرنا ويذكرهم بأصحاب الأرض، فحوّل البيوت إلى متحف استعماري يُبقي الشكل ويستبدل المعنى، كما قلب كنفاني البيت إلى محكمة رمزية يحتضن داخلها المستبد وصاحب الأرض يجلسان سويًا في رقعة جغرافية محددة يحاولان النقاش، ولكن النار والماء لا يجتمعان، وكذلك المغتصب للأرض ومالكها..
• خلدون/دوف:
حتى في الأسماء تستشعر القضية الفلسطينية، فالاسم العربي يعني الديمومة أو الخلود، سواء أي خلود: خلود القضية في أفئدة الناس، خلود مجابهة العدو وقتاله حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا... أما في المقابل فالاسم العبري يُحيل إلى إعادة قولبة الهوية ضمن مشروع قومي، كما يشير إلى رمزية الجسد بوصفه ميدانًا للسياسة والأفكار، فخلدون لم يُختطف جسديًا بل أُعيدت تربيته وتمت تنشئته عسكريًا، لنعرف هنا أن الحروب ليست دائمًا على الأرض وبين البنادق، بل بالأقلام والأفلام والمدارس، وأن مقاتلًا قد يقتل آخر، ولكن معلمًا أو سياسيًا يمكن أن يُهيّج شعبًا بكامله. ومن المفارقات الأخلاقية أن خلدون صار جنديًا عند سارقيه وأصبح مقتنعًا تمامًا أنه يحارب الباطل ويذود عن الحق، وهي مفارقة تُفكك وهم الانتماء الطبيعي بالدم، لأن الهوية وعي وموقف وتربية، لذا ينبهنا كنفاني إلى أن الممسك بالفكر القويم يضمن المستقبل، لذا تغدو الأبوة/الأمومة تكليفًا تربويًا مقاومًا لا قرابة بيولوجية... كل شخصية في الرواية تدافع عن "حقيقتها"، فيتقدم السرد كمناظرة أخلاقية وتؤسس لفكرة "فقه مقاومة" عقلي نقدي يفرز من العاطفة المسكرة والفعل المحرر، يتم فيها تبديد الحنين واختزاله إلى أبعد ما يمكن، لنضع أنفسنا في نهاية لا تنتهي بالبكاء على ما فات بل بالعمل والاجتهاد فيما هو قادم.
• الاقتباسات:
"عاجزون! عاجزون! مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل، لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون! الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقًا صغيرًا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود... ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي... أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المفلول؟"
"إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية"
"أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله"
• الرأي الشخصي:
نداءٌ للناس من كنفاني أن لا تعيدوا أخطاء الماضي وتعلموا مما فات، وأن الندم والحنين لا يحرران الأرض، ولا يخيفنا العدو إلا لو استُخدما وقودًا لتربية جيلٍ يؤمن بالقضية ويعرف بداية القصة ومتيقنٌ من النصر ولو بعد حين... أسهب كنفاني في الوصف مع قُصر الرواية، فجاءت أغلب صفحاتها وصفًا للأماكن، ودل ذلك على الاشتياق والحنين للأرض المسلوبة، ولكن كان مبالغًا فيه بعض الأحيان!!
!
التقييم: 9.5/10


الله ياغسان!!!
بداياتي كانت معه، ومن حسن الحظ أن أول البدايات معه فقد حزنت على رحيل أم سعد ووحزنت على ارض البرتقال الحزين
ولا زال الامل يزداد اذ استذكرت عائد الى حيفا
"الإنسان في نهاية المطاف قضية، هكذا قلت، وهذا هو الصحيح، ولكن أيّة قضية؟ هذا هو السُّؤال!فكّر"