بين الثبات والانحلال: تأملات في معركة التقاليد
مراجعة كتاب " معركة التقاليد" محمد قطب
جاء الكتاب متحدثا عن معركة لا تتوقف وقتالٍ لا يخفت بين تقاليد المجتمعات وعقائده وأفكاره ، فحطم الكاتب في مقدمته كل أملٍ في التوافق معها أو حتى التماهي قائلا بكل ثقة : " {هذه التقاليد(البالية)...هذه التقاليد( العتيقة )...هذه التقاليد( الرجعية )..هذه التقاليد المتزمة...المتحجرة...المتأخرة..
المتعفنة...ينبغي أن تحطم أن تُدك من القواعد... ينبغي أن تداس بالأقدام..." فكيف وصل الكاتب إلى هذا الحد من فقدان الأمل في تقاليد مجتمعنا !؟
• جولة في التاريخ :
التاريخ علمٌ كامل ونافذة على المستقبل لا الماضي فهو لا يخبرنا بما حدث فقط بل بما سيحدث لو فهمناهُ حق الفهم وحللنا كل ما جرى للشعوب فيه وكيف تثور؟ ولماذا يسقط الملوك ؟ وكيف حدث كل ما حدث ولما ؟..
فاختار الكاتب أن يتخذ من الغرب مثالا عن كيفية الانحلال والخروج من طور العقيدة إلى فلك المادة الواهية وحيوانية وتفرد الإنسان، فأشار إلى أوروبا قبل " داروين " بصفتها تحتضن شعوبا دينية إلى حد ما حتى ولو لم تكن عن قناعة راسخة أو تدينا أصيلا ولكن على الأقل لا زالت الكنيسة هي المهيمنة عليه بنظرتها " الثابتة " للإله والكون والتاريخ وأن العالم ثابت لا يحتمل التغيير حتى نشر كتاب " أصل الأنواع " سنة 1859م فقامت معركة حامية الوطيس بين الثبات والمتغير وكان من مسببات قبول الشعوب لهذه النظرية هو تحول الكنيسة إلى " حاكمٍ باسم الدين والإله " فأصبحت الإتاوات المجحفة بحق الفقراء والمساكين أمرًا إلهيا يستحيل رفضهُ وتكنيز المال والجاه في يد رجال الدين ' قدرًا محتوما " فكانت سردية داروين هي حبل النجاة الأخير والوحيد لهذه الشعوب المنهكة وفتح لها باباً كانت ترنو له حتى وهي في أحضان الكنيسة ألا وهو " التحرر" سواء من سلطة الإقطاعيين المهلكة أو سلطة الدين الروحية ، ولم يكتفي داروين بذلك فجعل الإنسان حيواناً متطورا حُق له أن يشبع رغباته دون النظر إلى عُرف أو دين أو أخلاق..
ومن أهم ما تمخضت عنه هذه المعركة :
٠ زلزلة الايمان بالله والعقيدة
٠زلزلة الايمان بالإنسانية والإنسان ورفعته وسموه وروحانيته
٠ زلزلة الايمان ( بثبات ) أي نظام من النظم أو قيمة من القيم أو فكرة من الأفكار
فكان زلزالا بحق ونقطة فاصلة من روحانية أوروبا إلى حيوانيتها وأكمل هذا الهدم المتسارع لكل ثوابت المجتمع ما جاء به فرويد من تحليلات لما تختلجه النفس البشرية ومؤكدا على كلام استاذه بحيوانية الإنسان فكان شعار " الجنس ( بمعناه الحيواني الخالص!! ) هو المحرك الأول والدافع الأصيل لكيان البشرية... الجنس هو كل شيء.. وكل شيء نابع من الجنس "
فمن خلال ذلك تبين لنا كيف تداعى الكائن الأوروبي بعد قرون من الثبوت والسكون لا عن طريق عاصفة عاتية بل نفحة نسيم هبت ببطئ على هيكل " بالٍ " أضعفهُ سيطرة رجال الدين واستغلالهم له، إذا نرى أن الشعوب كانت مجبرة على الهرولة خلف التغيير لعل وعسى تختلف أوضاعهم المزرية...ولنغلق هذا الفصل يمكن أن نجزم أن التغيير صعب لا محالة ولا يأتي بتلك السرعة المتوقعة فمع كون الدين في أوروبا مجرد " قشرة " إلا أنه صمد قرنين من الزمن حتى سقط فكم نحتاج نحن لكي نتدارك أنفسنا قبل أن ننحلَ منه ؟
وتلخيصا لأسباب سقوط الروحانية الغربية في ما يلي :
٠ نظرية التطور
٠ استغلال الكنيسة للدين
. الثورة الصناعية
•حقائق وأباطيل:
اعتمد الكاتب في هذا الفصل على تفكيك النظريات الأساسية التي أصبحت هي نواة أي فكر حديث ( ما بعد داروين ) :
٠حيوانية الإنسان وماديته
٠التطور الدائم الذي يلغي فكرة الثبات
٠حتمية التطور الذي لا يد فيه للإنسان ولا رأي ولا اختيار
فبدد نظرية حيوانية الإنسان وماديته عن طريق عالم ملحد آخر " جوليان هكسلي " في كتابه ( الإنسان في العالم الحديث ) فتطرق لموضوع الإنسان وما يتشاركه مع الحيوان وكيف يتميز عنه : "أو يستطيع الإنسان أن يعمل في الطرف الإنساني من الهوى وحينئذ إما أن يجرد جنسه البشري من صفاته ويدخله في عداد الحيوانات أو يسمو به كثيرا إلى حد يجعله أقل من الملائكة" وكان اسهاب الكاتب في الاستدلال بنصوص " هكسلي " نابعا من نقاش بين ملحد/ملحد ليبرهن على هوان هذه النظرية وسهولة دحض أفكارها بالعلم والتجربة كما يريدون..
وفي باقي الفصل تكلم عن التفسير المادي للتاريخ وأن تاريخ
الجنس البشري هو تاريخ البحث عن الطعام وبالنسبة لي أنا كقارئ اكتفيت بأسطر قلة هدمت فكرٍ كامل وسأطرحها هنا كاملة دون زيادة أو نقصان!!
" فلماذا صار الإنسان إنسانا يا ترى وبقي الحيوان على حيوانيته مع أنهما مشتركان في الأصل والتاريخ ؟لماذا أقام الإنسان النظم والأفكار والعقائد والحضارات ، إن كان تاريخه هو مجرد بحث عن الطعام ؟ ولماذا لم يظل -كما ظل أسلافه من الحيوان ـ في نطاق الصيد والافتراس؟
ألا تلفت هذه البديهية النظر ؟. ألا تفتح البصيرة ؟ "
• فلنكن صرحاء :
في هذا الفصل خصوصا انغلب الكتاب إلى شبه " تنمية إسلامية " أو " وعاظ مواقع التواصل الاجتماعي" أو " كُتابِ التدين الجديد " لم أفقه تحديدا ما علاقة ذاك بهذا ؟ الكثير من الأسئلة والقليل من الأجوبة كمن يريد أن يملأ عددا معينا من الصفحات فقط لا غير ،
لا تعليق وانتهى!!
•وبعد :
دعوة استغاثة لكل قلب ينبض ولكل عقل يفكر أن الغزو الغربي فكريا أكثر منه عسكريا ويعترف أن كتابه لن يغير شيئا ما لم نطبق ولو القليل منه في حياتنا ، وأشار إلى أن التاريخ فيه عبرة لنا وأن الالمام بها اولى خطوات النهوض...
الرأي النقدي :
جاء الكتاب مقسما إلى فصول أو فقرات عدة تتباين في أغلبها إذ كان الفصلان الأولان هما لُب الكتاب وموضوعه البارز فناقشا انهيار المجتمع الغربي وأسباب ذلك وفندا الأباطيل التي جاء بها داروين ، بينما كان الفصل قبل الأخير جزءاً من كتاب آخر على الأغلب!!
وفي المجمل كان الكتاب جيدا إلى حد ما لو خلا من كثرة الأسئلة والحشو المبالغ فيه ـ المستغرب من ك
تابٍ بحثي !!-
التقييم : 7/10

