الهوية في زمن العداء: تأملات مع المسيري
الهوية والحركية الإسلامية
تحرير: سوزان حرفي
يُعتبر هذا الكتاب مجموعة مقابلات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري على مدار سنتين، خاض فيها أغلب قضايا الأمة وعلّق على مواضيع لم تتناولها كتبه، فيمكن اعتباره خلاصة حياة مفكر عظيم وهب نفسه لمشاكل الأمة وأفنى وقته في تفكيكها ومحاولة إيجاد حلول لها. ولا يخفى على أحد أن الدكتور عُرف بموسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" التي عمل عليها قرابة ربع قرن، وتميّز فيها عن باقي الموسوعات في هذا الموضوع بنموذجه التفسيري المستقل، الذي أثبت فعاليته في تحليل البيانات والمعطيات لاستشراف المستقبل ومحاولة استباق الأحداث.
وقد ركزت هذه المقابلات على نقاط جوهرية شغلت الرأي العام آنذاك وحتى يومنا هذا، وسنتطرق إليها كلٌّ على حدة:
• الإسلام والغرب والحرب ضد الإرهاب:
ـ الإسلام وباقي الديانات: من أهم نقاط التوافق التي يمكن أن تُسهم في محاولتنا الاتحاد مع الغرب هو الدين، إذ تُعتبر الديانات الثلاث (الإسلام والمسيحية واليهودية) ديانات توحيدية قد تساهم في إذابة هذا الحاجز المادي بيننا، ولكن في المقابل يرى المسيري أنها إحدى أكبر أسباب الاختلاف، فهم يرون أن الإسلام مجرد هرطقة مسيحية وانحراف عن الجوهر المسيحي، ونحن نرى الشيء ذاته إذ نرى أن الإنجيل كتاب مقدس أفسده المسيحيون بأنفسهم. فنحن ـ على عكس باقي العقائد الأخرى التي تختلف عن الديانات بتعدد الآلهة ـ لا يعتبرها الغرب تهديدًا له، إذ لا يرى فيها "الآخر". كما أن الغرب يدور في إطار رؤيتين متناقضتين:
الأولى مادية مغالية في المادة، والثانية روحانية، فهم غير قادرين على فهم وسطية الإسلام وشموليته الروحانية ووضوح نظرته للعالم ككل، لذا عندما نرفض بعض أفكاره يشعر أننا نتحداه.
ـ العداء الغربي للإسلام: يمكن تفسير العداء الغربي للأمة الإسلامية لأسباب عدة، فالغرب يرى فينا "الآخر". فالعالم العربي ـ مقارنة بالغرب ـ يتفوق من ناحية القوى السكانية الهائلة وعدد الولادات المرتفع، بخلاف ما تشير إليه المؤشرات من انخفاض شديد في الولادات لديهم، بسبب نمط الحياة المتميز بالانحلال الأخلاقي وتفكك قيم الأسرة وانتشار الدعارة، مما ساهم في تدني نسبة الزواج، إذ لا يرى فيها المواطن الغربي أي منفعة، فمتطلباته البيولوجية يمكنه إشباعها في أي وقت دون تحمّل مسؤولية أو إنفاق مال. كما أشار المسيري إلى نقطة مهمة قائلًا:
> "وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة نفسها من دون آخر معادٍ، ولذا قامت باختلاقه حتى يظل العالم في حالة توتر، وذلك يمكن للاقتصاد الأمريكي (خاصة صناعة السلاح) أن يزدهر، وكان الإسلام هو المرشح ليكون هذا الآخر المعادي.
ولكن العنصر الحاسم الذي أجج الصراع هو الحداثة الغربية المادية التي ترجمت نفسها إلى شَرَهٍ استهلاكي، وإلى تشكيل إمبريالي لا يشبع، معتمدًا على الطاقة التي يستهلكها كالحيوان الجائع، ومعظم مصادر الطاقة في العالم توجد داخل العالم الإسلامي. إن منظومة الحداثة الإمبريالية الإسرائيلية الداروينية يستحيل استمرارها دون أن تفسر السلوك الأمريكي تجاه العالم الإسلامي، وتحركها الرغبة الجامحة في التحكم في مصادر الطاقة سواء في بحر قزوين أو بلاد الرافدين، حماية لأمنها القومي كما تحدده، وحفاظًا على عملية تدفق الطاقة بأسعار مغرية (من وجهة النظر الغربية)، وعلى معدلات الاستهلاك العالية في الولايات المتحدة والعالم ككل."
إذ يتبين لنا أن العداء الغربي شيء إجباري، إذ إن الإسلام ـ بنظرته الميتافيزيقية التي تتجاوز إطار المادة ـ يهدد الإمبريالية الغربية وخطة الاستهلاك المجنونة الشرهة، فكان لا بد من الهجوم على هذه القيم الإسلامية حتى يستمر الإمداد الإسلامي العربي من ثرواته، بل يتم إدخاله أيضًا في هذه الآلة البراغماتية النهمة.
• الحركات الإسلامية:
رأى المسيري أن سبب نشوء هذه الحركات من الأساس هو الاحتلال الصهيوني، ومع زواله ستزول تلك الحركات. كما تطرقت المقدمة لظاهرة "عمرو خالد" بعدة أسئلة، وناقشوها نقاشًا ثريًا، ولكن لن أسهب في الحديث عنه هنا. ويمكن لمن يهمه الأمر أن يقرأ كتاب "ظاهرة التدين الجديد وأثره في تمرير ثقافة التغريب" لأنور قاسم الخضري. ويكفينا تعليق المسيري على ظاهرة عمرو خالد حين قال:
> "إن مثل هذا الخطاب هو دعوة للانسحاب من الحياة الحقيقية، فرارًا إلى عالم خيالي مريح، لا علاقة له بأي واقع، وهو في هذا يشبه فصل العبادات عن المعاملات بحيث يتفرغ الإنسان للعبادات على حساب مسؤوليته الاجتماعية، وهذا النوع من الخطاب هو الذي يمكن أن نطلق عليه (أفيون الشعوب)."
كما تطرق الكتاب لعدة قضايا مهمة، ولكن تأتي إشكالية كبرى بالنسبة لي أنا كقارئ "كسول"، أو بالأحرى كاتب، فمع نظام السؤال والجواب هذا أصبحت في حيرة من أمري ولم أدرِ ما أكتب وما يجب أن أترك. فجاءت مواضيع مهمة كالانتفاضة والهوية متداخلةً مع مواضيع أقل قيمة كـ"حزب الوسط" الذي يرأسه الدكتور. صراحة كنت أتمنى لو واصلت في المراجعة بهكذا تفصيل، ولكن... حصل خير.
كان كتاباً جيدا وعميقا وتطرق لمواضيع شتى مقارنة بعدد الصفحات كما لاحظت أن المسيري توقع حدوث الربيع العربي قبل حدوثه بسنوات ع
دة !!
التقييم : 8.5/10

