أنطوان تشيخوف .... صوت الواقع الهامس
تشيخوف حين تُوصَفُ الحياة كما هي...
لطالما كان الأدب مرآةً للحياة، وكان الأدباء واصفين لها كلٌ بأسلوبه، وحسب رؤيته الخاصة. فيُحيط هالةً من النور على من تُرى فيه أماراتُ الحق، وتخدمه الظروف ليبدو تجسيدًا للخير، فيما تنتهي القصص عادةً بإسقاط الحكم على الأشرار والمذنبين، فيموتون بطرق تخدم النهاية السينمائية للبطل.
لكن تشيخوف لم يرَ الحياة بذلك الوضوح، ولم يؤمن بأن البشر ينقسمون إلى صالحٍ لا يخطئ، ومذنبٍ وُلد من شرٍ محض. بل رآها أعقدَ من ذلك، فجاء أدبه صادقًا، نابضًا بواقع الإنسان الذي لا يُولَد سارقًا، بل تدفعه الظروف ليصير كذلك. الإنسان عنده كالحياة، لا يثبُت على حال، تتقلّب أفعاله وأفكاره كما تتقلب الأيام.
وقد كُتب لتشيخوف أن يكون جزءًا من الجانب الأدبي "الأضعف" في زمانه، مقارنةً بعمالقة مثل فيودور دوستويفسكي وتولستوي، الذين تميّزت أعمالهم بالغوص في التفاصيل، والميل إلى شخصيات بعينها، والتركيز على النهايات الكبيرة، واستنباط المواعظ، وتضمين فلسفاتهم عبر شخصياتهم.
وعند المقارنة، يتّضح الفارق الكبير بين أسلوب تشيخوف وهؤلاء العمالقة. فهو لم يقدّم الحياة كخطبة وعظية، ولم يجمّل الواقع. بل كتب الحياة كما هي، بلا رتوشٍ تُفسد بشاعتها، وجعل من مبدئه في الكتابة امتدادًا صادقًا للحياة.
وكانت هذه المبادئ ضمن رسالته التي أرسلها إلى أخيه الأصغر ناصحًا وموجّهًا، وافتتحها بادئًا:
• الحياد والصدق دون أحكام: تشيخوف لم يكن قاضيًا، ولم يأخذ إطلاقًا أي صورة نمطية لشخصياته، بل اكتفى بتصويرها بإنسانيتها وضعفها وهوانها، ولم يُصدر أي أحكام أخلاقية على شخصياته، يقول: "وظيفتي أن أصف لا أن أصدر الأحكام".
• غياب النهاية الأخلاقية أو العظة المباشرة: خلافًا لأقرانه الأدباء، لا تنتهي قصصه بمغزى أخلاقي أو نهاية مغلقة، بل تترك القارئ في الفراغ كما تفعل الحياة.
• التركيز على التفاصيل الصغيرة واليومية: هنا يكمن تميزه حيث تسطع الحياة بتفاصيلها: كوب شاي في مساء شتوي؛ صمت طويل؛ نظرات عابرة. كان يؤمن أن الحياة بتفاصيلها لا بأحداثها الكبرى (مع تشديده على مبدأ الإيجاز).
• الاقتصاد في اللغة والبعد عن الزخرفة: يقول: "احذف كل ما لا ضرورة له فالجمال في البساطة". من خلال عمله الصحفي تم ترويضه على الاختصار والإيجاز، وهو ما كان يميزه، فاللغة تصبح واضحة وخالية من البلاغة الزائدة أو الوصف الإنشائي.
• الشخصيات قبل الحبكة: كان يتعامل مع الأشخاص كأناس حقيقيين، فيُصب أغلب تركيزه عليها وعلى مشاعرها، ويترك هي التي تحدد مصيرها وفق أفعالها، لم يكن ديكتاتوريًا بل متفهمًا، باحثًا عن الشعور الحقيقي لا الحبكة الدرامية.
• إظهارٌ لا إخبار (Show, don't tell): لا يخبرك إطلاقًا بحال أي شخصية، بل يجعلك تشعر بها وتتلمس معاناتها. في إحدى رواياته "قصة رجل مجهول" كانت "زينيدا" زوجة الثري أورولوف (امرأة بين الكبرياء والانكسار)، صورها تشيخوف بإدراكها وتكابرها عن الحقيقة المرّة، وأن أورولوف لا يعتبرها إلا كبائعة هوى لا كزوجة ورفيقة درب، لم يقل ذلك مباشرة، ولكن عشنا معها أحزانها وتخيلاتها وحتى إنكارها للحقيقة.
• تقديم الحياة كما هي لا كما تريد أن تكون: بوصفه مصورًا للحياة، وخلافًا للأغلب الذين يعكسون رؤيتهم للحياة في أدبهم، كان مخلصًا للواقع، متيقنًا من أن الطريقة الأمثل لعلاجه هي فهمه على ما هو عليه.
مع اختلاف الكثير مع أدبه، لكنه ظل وسيظل الصورة الأقرب للواقع بعيدًا عن الخيال والأساطير، وقريبًا من الناس،
يتألم لألمهم ويفرح لفرحهم.


أسلوبك فصيح لكنه ليس معقد وسلس الفهم .
من وصفك لهذا الأديب تحمست أقرأ ، هل هناك ما تقترحه لي ؟