عندما بكى الشيخُ .... وبكيت أنا
في أيام الطفولة، تصبح كل اللحظات مميزة، فمن خلالها تكتشف العالم وتتبلور ذاتك الناشئة إثر وقع شعور "التجربة الأولى"، كل شيء جديد له طعمه الخاص ومشاعره المختلفة، فتتفتحتُ أمامك عوالم لم تُرَ من قبل: أول خوف، أول سرقة طفولية، أول حب أبله، أول صداقة متينة...
كل ذلك يحدث في سنوات قِلة، وتبقى طول حياتك تبحث عن ذلك الشعور، الشعور بالحياة، بالتجربة الأوحد والأقدم، تبقى هي معيار القياس لأي شعور آخر.
وفي ذلك الزمن، وبحثًا عن هذه المتعة، قادتنا إلى سبر أغوار أمور لم تطأها أقدامنا ولم ندرِ حتى حقيقتها وماهيتُها. فكنت أنا "صالح" في حربٍ ضروس، لعلني أقنع باقي الرفاق في خوض هذا التحدي الجديد، ولكن "محمدًا" كان سدًا منيعًا ضد جهودي الحثيثة، ومُمتلكًا حججًا دامغة، وأردف قائلًا بزهو:
ـ ما لنا وما لهم؟ نحن معروفون بالقرية بأفعالنا، فكيف لنا أن نخرج مع الدعاة في سبيل الله؟
ولكن طرفنا الثالث "الفضل" كان ابن عمي وصديقي المقرب، لذا كنت أعرف أن الكفة ستؤول لجانبي، وهو ما حدث بالفعل، وبدأنا في التجهيز للخروج، حتى طفت مشكلة أخرى على سطح مساعيبنا، وهي أن جماعة الدعاة الخارجة من بلدٍ غير بلدنا، ومعهم فقط مترجم يساعدهم في التنقل.
وبعد ساعات من الإقناع هنا، وإحضار المترجم، وتكليفه مسؤولًا عنا حتى الرجوع، تكللت المهمة بالنجاح، ورُحنا معهم إلى إحدى القرى المجاورة، داعين وخارجين في سبيل الله ـ مع أن ثلاثتنا يدفعنا الفضول فقط ـ...
عندما وصلنا إلى القرية المجاورة لنا، نزلنا في إحدى مساجدها، وكانت المشكلة بيِّنةً في التواصل والتفاهم بيننا وبين باقي الدعاة الأجانب، ولكن كنت متيقنًا من أن الأيام الثلاثة كفيلة بانسجامنا معهم، ففارق اللغة لا يعتبر حاجزًا ذا شأن.
وما فتئت أقول هذا لـ"الفضل"، حتى لمحنا "محمدًا" في نقاش مع أحدهم، مستغربين: أنّى له ذلك؟ لكن صدمتنا خَفَتَت عندما سمعناه يقول بعض الآيات الكريمة، والبنغلاديشي يكررها خلفه. ففي تلك اللحظة، عرفنا مدى لطف هؤلاء، وتم دحض كل الشائعات التي أُشعلت في أنفسنا: من أنهم سيخطفوننا إلى بلادهم طمعًا في أعضائنا، وأقاويل أخرى أكدت أنهم ينتمون إلى تيار ديني متطرف ـ مع عدم فهمنا لأغلب العبارات ـ، ولكن في المجمل، أنهم يمتلكون أسلحة وقنابل، بل إنه أكد لي "محمد" رؤيته لقنبلة في جيب أحدهم...
وبعد انزياحِ كل تلك الأكاذيب، وفي صباح اليوم التالي، بدأنا ننغمس معهم في أجواء الدعوة، فتارة نخرج مساءً في جولات تذكير وعظة، وفي الصباح الباكر، استيقاظٌ مع تردد وتمتمة من "محمد"، الذي لم يعرف القيام في ثلث الليل الأخير في حياته...
وبعد انتهاء صلاة الفجر، تكون هناك ساعة لا توصف: بين الحقيقة والخيال، بين النور والظلام، لحظة صفاء وسكينة لا تُباع.
"السَّدف"، قالها "الفضل"، وهو يضع يده على كتفي، وعلامات النوم على وجهه.
السدف: تُقال للظلام عند اختلاطه بالنور، وهذه الكلمة أبلغُ كلمة لوصف هذا الوقت، مع اضمحلال الليل وظلامه، وبزوغ النهار ونوره. أخبرني بها أبي ذات يوم، عندما كنّا عائدين من المسجد فجرًا.
فجلسنا سويًا نشاهد هذا المنظر البديع، متأملين في خلق الباري، مع دخول "محمد" في حالة بين اليقظة والنوم، يميل يمنةً ويسرةً، مُصارعًا نومًا يجتاحه.
وعند انتهاء أجواء الفطور البهيجة، وتبادل بعض الكلمات الجديدة والغريبة في آنٍ واحد، يدخل الجميع في سباتٍ عميق، حتى تشتد شمس النهار ويدنو وقت الظهيرة. وهكذا يُفسح لنا المجال في كل عصرية للنقاش، وتبادل النكات والضحك، فكلٌّ منا يضحك على "ليلاه".
وفي هذا المساء من اليوم الثالث، اقترب مني "الشيخ" ـ كما يُلقبونه، إذ استحال علينا نطق اسمه بشكل صحيح ـ، وطلب مني مرافقته للقيام برياضة المشي. وكان "الشيخ" رجلًا بين الثلاثين والأربعين، طويل القامة، أسود الشعر، حليق الشارب، ذا لحية عظيمة، ووجهٍ مشرقٍ، وابتسامة لا تفارق مُحيّاه، فتكتمل صورة وضاءةٌ لهذا الرجل الطيب الذي يبدو عليه الصلاح.
وبعد هنيهة، كنت أنا وهو خارج المسجد، متجهين غربًا، نسير الهويناء، مع أحاديثه المضحكة ـ بالنسبة لصاحب لسان عربي مثلي ـ فيحاول ما أمكن أن ينطق الحروف كما هي، فتجيء الكلمات متفاوتة، غير مفهومة في بعض الأحيان...
"كم... تَحفَظُ من... القرآن؟" قالها بصعوبة بالغة، ولكن ابتسامته المعلنة عن انتصار داخلي بددت كل مشقة...
قلت له مبتسمًا: "أنا ما زلت صغيرًا على الحفظ، ولكن في جعبتي خمسة وعشرون حزبًا".
وواصلنا المسير حتى غرب القرية، إذ كان منتصف الخريف، وأتذكر كيف كنت أرى انعكاس شمس المغيب الصفراء على العشب الأخضر، تاركةً إيّاي في فرحٍ بالغ، كأي موريتاني لفحته شمس الصيف، وعذبته العواصف الرملية المُغبرة، وسببت له مشاكل في التنفس.
وفجأة، أوقفني "الشيخ"، ونظر إليّ مدةً ظننتها طويلة. كان ينظر فقط، كأنها أول مرة يراني، وأنا في المقابل أستكشف صفحات وجهه النضر، حتى وجّه إليّ السؤال، قائلًا:
ـ هل... يمكن أن تتكلم بالعربية دائمًا؟ لا تخطئ فيها، ولا تُلحن؟...
أجبته متعجبًا: على ما أعتقد، ما زلت أتعلمها في المدرسة...
وسأل مرة أخرى:
ـ كيف يمكنك أن تقرأ القرآن وتحفظه ببساطة؟ لا تحتاج لترجمة أو مُقرئ، أنت فقط تقرأه متى وأنّى شئت!!!
لم أجبه هذه المرة، فقط بقيت أناظره بتوجسٍ وخجل، لا أدري ما شعرتُ به...
أذكر أني فكرت: كيف لرجلٍ في سن عمي ـ بل كان يشبهه ـ أن يجلس لجانبي باكيًا؟
وأردف قائلًا: "وددت لو كنت عربيًّا، أتكلم كلامكم، أفهم القرآن ببساطة، وأقرأه بتدبرٍ، ومُسلم من مكة، ويجري في دمي نسبٌ لخير البشر محمدٌ، عليه أفضل الصلاة والتسليم...".
وأخذ بيدي، وهو يُعدّل وقفته، ويجلس حذائي، ودموعه لا زالت تسيل:
"يا صالح... اجمع يديك، أرجوك... ادعُ الله ـ مع زيادة دموعه وارتباكه ـ يا صالح، اقرأ ما تعرف من القرآن، ما تتذكر من دعاء... ادعُ الله أن يهديني، أن يغفر لي زلاتي... أن يجمعني مع نبيه في جنات الخلد..."
لا أدري إن كانت فصاحة الجملة هي التي أسالت دمعي أم معناها، ولكني بكيت معه...
أحسستُ به، شعرتُ بعظمة هذا الدين، وقلت والدمع يجري رقراقًا مني:
"اللهم اهده... اللهم اغفر له، وعافه، واعفُ عنه... اللهم أدخله جنتك، واغفر له كل خطاياه... آمين..."
بكينا هناك حتى حلّ المساء...
لم أدرِ يقينًا ما أبكاني، ولكن بكيت...
حتى ضمني إليه، وهناك أحسستُ بذاك الشعور... أول مرة أبكي لسبب لا أعرفه، أول مرة يعانقني أحدهم.
في ذاك المساء، اختلطت مشاعري...
وفي عودتنا إلى المسجد، سكننا الصمت، نمشي فقط مع اختلاط الليل مع النهار، ومع اختلاط مشاعر المرة الأولى، بالشعور بالخوف، بالضعف، بالانكسار...
وفي صباح اليوم التالي، كنت أنا والرفاق نودّعهم، متسائلين: أنّى لثلاثة أيام كل هذا الشعور؟
كلٌّ منا لم يُرد الفراق، ولكنه كان قدرًا محتومًا علينا، طال الزمن أو قصر...
كان الجميع يريد أن يُظهر التماسك، حتى سقط "محمد" في حضن أحدهم باكيًا...
"محمد" الذي جاء متذمرًا، يضعف ويبكي فراقًا لهم، وتبعناه نحن باكين، معانقين لهم.
أتذكر أنهم أهدونا تمرًا ومساويك، ولكن كان الفراق طعنةً أدمت قلوبنا، وجعلتنا نلوذ إلى السيارة هاربين، خوفًا من لحظة الفراق، كأي أطفالٍ صغار...
نسيت كل شيء زمنًا، ثم تَصوّر أمامي في إحدى الليالي، فعلمت إذ ذاك، أني سأتذكره حتى مماتي...

