"البراغماتية.. صراع العقل والروح في زمن المادة"
دائمًا ما كانت الفلسفة بعيدة عن الحياة العملية، تسبح في سماء الفكر المجرد باحثةً في الأشياء عن جوهرها وذاتها. حتى سادت أمريكا على العالم، وعلا كعبها، ففرضت نظامها ونظرتها المادية للحياة، ولم تكن الفلسفة بمنأى عن ذلك التأثير. ومصطلح البراغماتية مشتق من اللفظ اليوناني “براغما”، ومعناه العمل، وهي مذهب فلسفي يحاول تطبيق الأساليب العملية على الفلسفة، وتتركز فكرته الأساسية على أن معنى فكرة ما أو حقيقتها تتحدد بتأثير تلك الفكرة على الممارسة والسلوك، وأن حقيقة كل المفاهيم لا تثبت إلا بالتجربة العملية. فما هي أسباب نشأة هذه الفلسفة؟ وما علاقتها بنظرية التطور؟
يُعتبر الشعب الأمريكي مولعًا بالتطبيق العملي للأفكار، ويرى أن أي فكر لا يُطبَّق واقعيًا مشكوك في حقيقته ويُوضَع جانبًا. لذا، كان لا بد من ظهور فلسفة تُغذّي وحش المادية الذي بدأ يتشكّل في أعماق الفكر الغربي، مع ما رآه الإنسان الأوروبي من سيطرة على موارد الكوكب ونفوذٍ على باقي الأعراق، واعتباره هو المفكر وصاحب الرأي . فجاء ظهور البراغماتية مع العالِم الأمريكي تشارلز بيرس، الذي اهتم بدراسة نظرية التطور والنشوء الداروينية (مع عدم إثبات علمي لها)، ودور المصادفة في نشأة الكون، وهو أول من صاغ هذا المفهوم في مقال نشر سنة 1878م بعنوان "كيف نوضح أفكارنا"، مُحدثًا انقلابًا على كل ما سبق من نظريات فلسفية.
اعتمد بيرس في مقاله على ما ذكره الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر، من أن معظم معتقدات الإنسان التي يؤمن بها ليست لها صور حسية يمكن أن يردها إليها، فالحرية مثلًا ليست لها صورة حسية يمكننا إدراكها. واستدل أيضًا على أن أي شيء حسي هو حقيقة بذاته، "الكهرباء مثلًا" لا نراها، ولكن تأثيرها بيّنٌ على حياتنا، فهي موجودة حتمًا. وبالتبعية، عند البراغماتيين، وجب الانتفاع بها. وقد أكّد تشارلز على استحالة وجود الغيبيات، قائلًا: "إن البحث في الميتافيزيقيا (الغيبيات) محض هراء، ويجب أن يُستبعد تمامًا، وما يجب أن يبقى من الفلسفة هو سلسلة من القضايا القابلة للتمحيص أو الاختبار بواسطة مناهج العلوم الحقيقية القائمة على الملاحظة."
وجاء تباعًا بعد تشارلز العالمان الآخران: ويليام جيمس وجون ديوي، اللذان أخذا البراغماتية إلى مدى أبعد من ذلك، ورسخاها في المجتمع الأمريكي. وكان بيرس وجيمس يقولان إن الدليل على حقيقة أي شيء هو أثره؛ لكنهما وافقا على أن العقل أداة للمعرفة. أما ديوي فزعم أن العقل نفسه أداة تطورت في مسيرة النشوء والارتقاء، لكي تتيح للإنسان إعادة تشكيل بيئته، فهو ليس أداة للمعرفة، بل أداة لتطوير الحياة، وليست وظيفته أن يعرف، بل عليه فقط خدمة الحياة لكي تنمو وتستمر. أي أن العقل (ويقصد به الدماغ) كأي عضو في جسم الإنسان، وُجد لحمايته وضمان بقائه، ولهذا سُميت هذه النظرية بـ"نظرية الأداة" أو "الآلية".
كيف تجلى التفكير البراغماتي في التعليم والسياسة والاقتصاد؟
ساهم جون ديوي في تطوير التعليم الأمريكي، حيث إنه كان معروفًا كعالم تربية أكثر منه فيلسوفًا، وكان له الفضل الأكبر في زراعة هذه الفلسفة، إذ جدّد في فكرة سبنسر بأن يتم التركيز على تعليم العلوم بدلًا من الآداب، ووضع مقولته الشهيرة "تعلّم بأن تعمل" شعارًا لمذهبه. كما كان له الدور الأكبر في ظهور فكرة "التعليم المستمر" التي أصبحت في يومنا هذا من المسلّمات، وركيزة أساسية في تطور الإنسان في حياته وعمله. وكتب عدة كتب في هذا المجال منها: "عقيدتي التربوية"، و"المدرسة والمجتمع"، و"الديمقراطية والتربية".
أما في الاقتصاد، فكانت الرأسمالية متوافقة مع البراغماتية، بل امتدادًا لها، فيشتركان في حبهما لتحصيل المنفعة بأي طريقة ممكنة، وفقًا للمبدأ المكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة".
أما سياسيًا، فنجد البراغماتية إحدى أدوات الساسة والحكام في تبرير أفعالهم جلبًا لمنفعة، حتى وإن كانت على حساب الغير، وهو ما مهّد الطريق وسهّل على الحكومات تبرير أعمالها من استعمار ونهبٍ للشعوب الأخرى، وحتى احتلال أرضٍ لأسباب دينية (على الرغم من لادينيتهم) كأرض المقدس.فنجد أمثلة جمة على هكذا سياسيين من أبرزهم هنري كيسنجر حين يقول بصريح العبارة : "أمريكا لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة." – وهو ما فتح الباب لنقد أفكاره ووصفها بأنها انتهازية لا يوجد فيه حق ثابت ولا باطل كل ما يجلب المنفعة " صحيح"
ومن البراغماتيين المعاصرين هو التاجر لا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إذ يعتبر من الأساس تاجرا يلهث خلف المال لا يشغل باله غيرها في تطبيق حرفي للمكافللية فتجده يقول :" أنا أغير مواقفي لأنني أتكيف مع الظروف، وهذا ذكاء لا تناقض."
البراغماتية والإسلام:
هناك شبه اتفاق على استحالة الجمع بين البراغماتية بنفعيتها المطلقة وماديتها الرافضة لأي نظرٍ في الميتافيزيقيا أو الغيبيات، واعترافها فقط بأن الإنسان يمكن أن يؤمن بغير الماديات لتحصيل منفعة: كالشعور بأن هذا الكون يُدار من قِبل قوة عظمى، حتى وإن كان يكفر بها.
وقد تطرقت جنى الحسني إلى ذلك في مقالها "البراغماتية"، قائلةً:
"وإذا كانت مسألة الإيمان بالله هي أهم مسألة شغلت الفكر الإنساني منذ وجوده، فقد أعاد ويليام جيمس بناءها -كما أسلفنا- على أساس المنفعة المحضة دون أي اعتبار للحقيقة، فرأى أن الإنسان يتمتع بـ”تجربة دينية” لأنه يشعر من حوله بحضور “تجربة أخرى” تواسيه وتقف معه ضد الشر، وتعمل في صالح الخير؛ لهذا يفوض أمره لها ويطلب منها العون. وهي تجربة مختلفة عن التجارب الحسية؛ لكنه يوجب تفسيرها وفق المنهج المتبع في التجربة الحسية، أي حسب المنفعة، فإن كانت تقدم لأنفسنا الطمأنينة والسعادة والسلام، فهي صحيحة."
وهنا تتسع الفجوة بينها وبين الإسلام، الذي أمر بالإيمان عن يقين، ومن أساسياته الإيمان بالغيب والقدر خيره وشره، دون انتظار لمنفعة. وكذلك يختلف معها في "الحقيقة"، فهي في الإسلام شيء ثابت لا يتغير مع تغير الظروف ولا الأشخاص. فإن كان كذبُك وخداعك سيؤولان إلى ظفرٍ بعمل معين أو الحصول على امتيازات خاصة، فهو إذًا لا يُعتبر خيرًا، بل حرام في ديننا.
ومما سبق يتبين أن البراغماتية قائمة على الانحلال من الأخلاق والأعراف الإنسانية، وهو ما يجعل المجتمع متشرذمًا، خاوٍ من أي قيم ومبادئ.
وقد نقد المفكرون الإسلاميون البراغماتية برمّتها؛ فرأى طه عبد الرحمن أنها خطرٌ على البعد الأخلاقي والروحي، لأنها تذيب القيم في حمأة المنفعة، إذ يقول:
> "البراغماتية تفصل الوسيلة عن الغاية، فتحقق النجاح وتفقد المعنى."
كما انتقدها المفكر الجزائري مالك بن نبي، قائلًا:
"المجتمع الذي يعبد النتائج لن يُنتج حضارة، بل سوقًا."
ورأى أن انقياد العالم الإسلامي لـ"براغماتية مستوردة" تفصل الفعل عن الرسالة، والمصلحة عن الفكرة، قائلا:
"لقد فقد المسلم السيطرة على القيم، وراح يبحث عن الفائدة فقط، وهذا هو السقوط."
إذاً، البراغماتية هي امتداد طبيعي لفكرٍ غربي يسعى إلى بلوغ الكمال المادي، مُقنعًا الإنسان أن ذلك فقط هو ما يشكل عالمنا، فينسلخ من كل المظاهر الإنسانية، ويجعل أي فعل ينافي تلك القيم غايةً لوسيلة تساهم في نفعه وبقائه وامتداد سيطرته. كما تُقزّم من عمل العقل وتُنزل الإنسان إلى منزلة باقي المخلوقات، فتزيد من حيوانيته وابتعاده عن أي شيء خارج فلك المادة. فهي إذًا فكرة من أساسها قائمة على نظريات لم تُثبت، وأفكارٍ مكيافيلية خاطئة تدعو إلى التفرد والجري وراء المصالح الشخصية القاصرة، فوجب نقدها وتجنّ
بها بالنسبة لنا نحن كمسلمين.




المراجع :
. تشارلز داروين – أصل الأنواع
ويليام جيمس – البراغماتية
. جون ديوي – الديمقراطية والتربية
طه عبد الرحمن – سؤال العمل
طه عبد الرحمن – سؤال الأخلاق
طه عبد الرحمن – الحق العربي في الاختلاف الفلسفي
مالك بن نبي – شروط النهضة
. مالك بن نبي – مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي
. مالك بن نبي – ميلاد مجتمع
. سيد قطب – معالم في الطريق
. سيد قطب – في ظلال القرآن
٠ جنى الحسني ( باحثة دكتوراه في العقائد والأديان ) مقال " البراغماتية" - موقع السبيل