أمامك آلاف المسارات… لماذا ما زلت ضائعًا؟
أمامنا آلاف الدورات وعدد لا يُحصى من الكتب، سواء ورقية أو إلكترونية، ومحاضرات في شتى المجالات والتخصصات. ومع هذا كله، نشعر أننا لا نحرز أي تقدم حقيقي.
أكاد أجزم أن هذه هي أزمة القرن الجديدة؛ مصادر في كل مكان وعلوم في كل مجال، حتى لا تدري من أين تبدأ، وفي أي شيء تخوض. والسؤال الأهم: لماذا أتعلم هذا أصلاً؟
وهذا ما يجعلنا نتساءل سؤالاً جوهرياً وملحاً: لماذا لا تقود وفرة المسارات إلى وضوح وبصيرة في الطريق؟
لا أدري، يا صديقي، كم من الدورات والمحاضرات ما زالت تنتظرني لأنهيها، أو عدد الكتب التي توجد ضمن خططي لأقرؤها. وبالطبع، لست وحدي في هذا العالم، وألاحظ وأقابل أنواع الناس: من المجتهد المواظب إلى العادي الناجح إلى الفاشل الكسول. وكل ما يميز هؤلاء هو شكواهم المتكررة من عدم إكمال الطريق نحو هدف يرمون إليه؛ فينتقلون بين المسارات دون جدوى، وهو ما يجعلنا جميعاً مشغولين دون أن نحقق شيئاً، ونجتاحنا شعور بالتوهان في ظل كم المصادر الهائلة، ويصاحبنا إحباط من عدم قدرتنا على إنهاء أي منها، وتساؤلنا الدائم عن الهدف من هذا.
كما أننا نحلم بالمثالية دائماً قبل البدء، فنؤمن أن كل كتاب أو دورة يمكن أن تغير حياتنا، فنجمع كل معرفة ممكنة دون السؤال عن جدوائيتها، على الأقل حالياً. وفي خضم كل هذا، ننسى أن الحركة نفسها هي ما تصنع الفارق!
فهل المشكلة حقاً في كل تلك المسارات، أم أننا فقدنا القدرة على السير على طريق واحد حتى النهاية وإيجاد معنى يحفزنا على ذلك؟ وأود أن أوضح أننا في قادم المقالات سنفكك هذه المعضلة ونحاول فهمها فهماً سليماً يفتح مجالاً أو طريقاً لنخرج من هذه الدوامة التي لا تنتهي، وهنا لا أعدكم بحل واضح، بل برحلة لمواجهة مشاكلنا والتجرد من كل ما يعتريها، بغية فهمنا وفهم عصرنا.
كما أسلفت، وفرة المسارات لا تعني السير على الطريق، وكثرة الأدوات لا تعد بالنجاح. وفي المقال القادم سنغوص في قلب هذه الأزمة: "الضجيج المعرفي" الذي يجعل كل هذه الخيارات عبئاً علينا.

