ما الذي يجعل «معالم في الطريق» كتابًا مُقلقًا؟ قراءة تحليلية في الجاهلية، الحاكمية، ومنهج التغيير
معالم في الطريق – سيد قطب
يعد كتاب «معالم في الطريق» إحدى الكتب التي كان لها الأثر البالغ في الفكر الإسلامي المعاصر، ليس فقط بسبب موضوعاته الهامة آنذاك، بل لما أحدثه من تأثير عميق في نفوس أجيال متعاقبة، وكذا دوره البارز في وضع أساس متين لوعي إسلامي سياسي. وقد كُتب هذا العمل في ظروف أقل ما يقال عنها إنها استثنائية، إذ كان صاحبه مسجونًا فاقدًا لحريته الحركية، محبوسًا بين جدران أربع لا يفارقها، ولكن عقله وقلبه كانا لا يتوقفان عن الخوض في مشكلات الناس ومصالحها، وهمّ إعلاء كلمة الحق ونصرة الدين الإسلامي. فأثر ذلك أيّما تأثير في لغته وأفكاره وحدّة أطروحاته. ومن هنا لا يمكن قراءة الكتاب بعيدًا عمّا يجري حوله من ظروف إنتاج وتحولات فكرية لصاحبه. وسنحاول في هذه المراجعة تقديم قراءة تحليلية معمقة للكتاب – إن شاء الله – من خلال محاولة تفكيك مفاهيمه المركزية وتحليل منهجه وخطابه.
وجب علينا إلقاء نظرة سريعة على السياق الفكري والتاريخي آنذاك؛ إذ كُتب في ستينيات القرن الماضي، وهي مرحلة تميّزت بانتشار وصعود متسارع للأنظمة القومية والاشتراكية في الوطن العربي، وانحسار للحضور الإسلامي من جهة، وصدام حاد بينه وبين السلطة من جهة أخرى. وفي ظل هذه الظروف التي تشي باضمحلال مفهوم الإسلام الأوحد، ومحاولات تفسير الأفكار الدخيلة والتماهي معها، جاء الكتاب بوصفه صرخة احتجاج فكرية ضد انحراف شامل للإسلام، سواء على مستوى الحكم أو الثقافة أو القيم الاجتماعية. كما مثّل نقلة نوعية لسيد قطب من كونه ناقدًا أدبيًا إلى مفكر إسلامي ذي خطاب عقدي حركي حاد، يركز على المفاصلة بين الإسلام والجاهلية.
الجاهلية بوصفها بنية شاملة:
أكد قطب أن الجاهلية لم تنتهِ مع ظهور الإسلام، بل هي بنية شاملة، وأن المجتمع الجاهلي موجود في كل زمان ومكان متى توافرت فيه خصائص الجاهلية الأولى. ومن هنا وسّع الكاتب مفهوم الجاهلية ليشمل المجتمعات الحديثة، بما في ذلك المجتمعات التي تسمي نفسها مسلمة، طالما أنها لا تحكم بما أنزل الله. وقد شكّلت هذه النقطة جوهر الجدل حول الكتاب. وانتقل بعد ذلك إلى مفهوم الحاكمية من العقدي إلى السياسي، إذ يعد هذا المفهوم العمود الفقري للكتاب. فالتوحيد – في نظر سيد قطب – لا يكتمل بمجرد الإقرار بالله، بل يجب أن يمتد إلى كل مجالات حياة الإنسان المسلم، من التشريع إلى السلطة. وهو ما يقود إلى أن أي تشريع بشري مستقل عن الوحي يُعد نوعًا من الشرك، بإسناد الحاكمية لغير الله.
وتكمن خطورة هذا الطرح وقوته في أنه ينقل هذه الإشكالية من فلكها السياسي والاجتماعي إلى صراع عقدي وجودي بين منهج الله ومناهج البشر الأخرى، إذ يقول:
«كذلك ينبغي أن يكون مفهومًا لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين خرجوا يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولًا إلى اعتناق العقيدة – حتى لو كانوا يدّعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون – يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو (أولًا) إقرار عقيدة (لا إله إلا الله) بعدلها الحقيقي، وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله…».
كما طالب بتمثيل هذا الفكر في «بناء جماعي وتجمع حركي»، قائلًا:
«ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي، وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلًا صحيحًا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي، ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم وأشد فاعلية…».
وهذا كله يبرر النبرة القطعية التي اعتمد عليها قطب في طرح هذه المعالم، إذ لم يترك مساحة واسعة للمنطقة الرمادية في تأويل كلامه أو قراءته بوصفه فكرة تناقش وتنتقد، بل جاء به كمنهج إلهي لا جدال ولا نقاش بعده، وسائر الأفكار الأخرى مناهج بشرية تتسم بالضعف والقصور.
العصبة المؤمنة:
يعد مفهوم العصبة من أهم المفاهيم التي أكد عليها قطب وأسهب في توضيحها، حتى ولو ترك أسئلة جوهرية، وسنحاول فهم هذا المصطلح بدءًا من التصور، مرورًا بالوظيفة، وصولًا إلى الإشكالية التي تواجه هذه العصبة.
يرى أنها ليست جماعة كبيرة ولا حزبًا سياسيًا بالمعنى المعاصر، بل «طليعة نوعية» تتسم بوضوح التصور العقدي وبيان المنهج، مع استعداد تام للتضحية. كما أكد أنها مجرد امتداد للجيل الأول من المسلمين؛ إذ بدأوا قلة مستضعفة، لكنهم امتلكوا قوة العقيدة وانتماءً للفكر.
ولكي لا تفشل هذه الطليعة، أكد على وجوب تكوين عقدي خالص يحرر الفرد من كل صور العبودية لغير الله، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية؛ لأن العقيدة هي الأساس الأهم. ويؤكد على ضرورة عدم الاستعجال في العمل السياسي قبل اكتمال هذا البناء الداخلي، لأن أغلب الإخفاقات السابقة كانت بسبب ضعف التكوين الإيماني لا نقص الوسائل.
وكذلك من بين المفاهيم التي كثر الحديث عنها وتم تأويلها تأويلات شتى من منتقديه وداعميه مفهوم «العزلة الشعورية». فمنتقدوه يرون أنها دعوة واضحة إلى الانعزال عن المجتمع والتقوقع على الذات، ولكن أرى أن قصد قطب كان العزلة الشعورية لا المادية عن المجتمع؛ إذ لا بد لكل جماعة أن تتعاون فيما بينها بعيدًا عن المجتمع ككل حتى تصل إلى أهدافها، ويتشرب أعضاؤها فكر الجماعة – في بدايتها طبعًا – وهذا ما ذكره ووضع له الأسباب حتى تقوم تلك الطليعة التي تعتبر نواة وأساسًا لمجتمع إسلامي جديد.
إذًا، مفهوم هذه العصبة يواجه أسئلة صعبة ومشكلات جمّة، كان لا بد لقطب أن يفصلها أكثر وينير الطريق من بعده لهذه العصبة الناشئة، وألا يتركها تواجه كل تلك المعوقات دون تنظير وتوجيه، وهو ما سنناقشه في كيفية هذا التغيير.
التغيير عند قطب:
يرى قطب أن الإنسان هو المستهدف قبل الجماعة، وأن إصلاحه هو بداية التغيير؛ فالأنظمة السياسية والاجتماعية ما هي إلا مرآة للتصورات الكامنة في النفوس. ومن هنا فإن بناء الإنسان المسلم هو الخطوة الأولى والحاسمة في هذا التغيير. غير أن هذا التغيير يرفض رفضًا تامًا الإصلاح الجزئي والتدرج التوفيقي، ويرى أن أي تغيير داخل أنظمة لا تحتكم إلى الشريعة الإسلامية يؤدي إلى تمييع المنهج الإسلامي وفقدانه هويته.
وينبع هذا الرفض من تصور مثالي صارم يرى أن الإسلام منهج كلي شامل لا يقبل التجزئة ولا أنصاف الحلول. غير أن هذا الموقف قد يؤخذ عليه إغفاله لتعقيدات المجتمع، وتجاهله التام لإمكانية التدرج بوصفه سنة اجتماعية. وسأورد فقرة من كلامه تمهيدًا لسؤال اجتاحني وأنا أقرأ كلماته تلك:
«وكان الله – سبحانه – يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة، فلم يكن هنالك بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة، حتى إذا نضج التكوين العقدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج».
وقال قبل ذلك:
«إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عامًا كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى، كلا، فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة».
ما دام القرآن قد أخذ كل تلك السنوات يتنزل تبيينًا وتعليمًا للناس حتى يفهموا هذا الدين، وهم قادمون من جهالة كانت هي حياتهم وتقاليدهم، أليس الأولى بهذه الجاهلية الحديثة – التي أسميتها – أن تُعطى سنوات أكثر، وصبرًا مضاعفًا، وتدرجًا، لأننا بعكس الجاهلية الأولى غير مدركين لما نحن فيه، وغير مستشعرين للبعد الذي قطعناه في تمييع هذا الدين ومحاولة صهره مع الآخر المناقض لنا؟
ومما يؤخذ عليه أيضًا غياب التفصيل في الفترة المرحلية، إذ لا يقدم خطة واضحة من مرحلة التكوين إلى مرحلة التغيير، مكتفيًا بالتركيز على الصفاء المنهجي والاستعداد النفسي.
أما فيما يخص أسلوبه الخطابي، فكما ذكرت، يمتاز بالحدة واللغة الحاسمة، ويقلل من المرونة التأويلية إلى أقصى درجة. ولكن أثناء قراءتي للكتاب لم يفارقني شعور أنه يكتب كبيان يُلقى عليّ لأنفذه، وأن النتائج مطروحة سلفًا دون فتح مجال كافٍ للنقاش.
أما موضوع الجهاد فبيّن واضح، لا نقاش فيه ولا جدال، شئنا أم أبينا.
وختامًا، هذا الكتاب نص إشكالي ومفصلي، ومحاولة لطرح الأسئلة وتحريك الفكر الراكد، وعلاقة الدين بالسلطة، كما حمل همّ إعادة بناء الإنسان المسلم من الجذور. سواء اتفقت أو اختلفت معه، فهذا العمل لا يُقرأ للتلقي السلبي، بل للحوار والمساءلة والفهم العميق. فبين حدّة الطرح وصدق المقصد، يقف القارئ أمام نص يجبره على التفكير.
ولا يسعني إلا أن أذكركم وأذكر نفسي بمقولة غادامير
«الفهم لا يتحقق بإلغاء الأحكام المسبقة، بل بوعيها واختبارها في مواجهة النص.»
التقييم: 8/10
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.




شكرًا لك على هذا الطرح، والجهد المبذول في المقال.