مزرعة الحيوان: الوجه الآخر للثورات
داخل مزرعة القصر تجتمع الحيوانات في إحدى الليالي ليقصَّ عليهم الكهل ميجر رؤياه بحياة أفضل، مليئة بالسعادة والحرية، لا يمكن أن تتحقق إلا بزوال ثنائي الأرجل (الإنسان). فيبدأ فصل جديد من الثورة ضد الإنسان، وتثور الحيوانات على مالكيها، ويغدو هذا الشعب حرًّا، ولو مؤقتًا، قبل أن يأتي مستبد جديد.
رواية سياسية تشع نقدًا وتلامس كل قارئ فطن يبحث خلف الرموز ويطارد الخنازير ليكشف عقلية الثوار، ويدرس باقي الحيوانات كأي شعب مقهور توهَّم أن الثورة هي الخلاص من الاستعمار والاستغلال. جورج أورويل ينادينا لأن نقف معه هنيهات لكي ندرك المصيبة التي نتجه إليها صاغرين راغبين، دون وعي منا، ولكي نفهم ما أراد جورج إيصاله لا بد لنا من تفكيك كل رمز على حدة دراسةً وفهمًا ومقارنةً مع الواقع الذي نعيشه.
الثورة والشيوعية:
لا يخفى على القارئ أن المزرعة ما هي إلا تجسيد رمزي للثورة البلشفية التي بدأت سنة 1917م وسيطرت على روسيا بعد أن أسقطت النظام القيصري. ويمكننا الاستدلال بكلمات مثل: "الرفيقة"، و"الاجتماعات السرية"، و"أغنية حيوانات إنجلترا"، كلها رمزيات عن أساسات الثورة البلشفية والتنظيم السري لها، وكذا مصطلح "الحيوانية" أي العمال، كأهم محدد لهوية الثوار، مع شعارات مهمة أمثال: "كل الحيوانات في مرتبة واحدة"، و"الأهم الآن هو الحصاد"، و"الشجاعة لا تكفي، الولاء والطاعة هما الأولوية"، كلها دليل واضح على الثورة البلشفية وكونها أساس النقد الذي قام به أورويل بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وأشار إلى أهمية العلم كأساس للثورة، إذ تعلم الثوار القراءة والكتابة دون باقي الشعب، كما قاموا بتنظيم المجتمع بعد الثورة في عدة لجان: "لجنة إنتاج البيض"، وللأبقار "جماعة الذيول النظيفة"، وللخرفان "حركة الصوف النظيف".
وبعد تحديد مقومات هذه الثورة سنفكك شخصيات قادة الثورة، الذين رمز لهم أورويل هنا بـ"الخنازير"، لما في دلالة المعنى من تقزيم وتحقير، إذ كان للثورة أن يقودها أي حيوان، ولكنه اختار أكثرها جشعًا وشرهًا ونهمًا.
وقاد الثورة ثلاث شخصيات رئيسية:
نابليون:
كان هو القائد الفعلي للثورة والحاكم الذي أخذ بأفكار ونبوءة ميجر (ماركس أو لينين أو هما معًا، لم تتضح لي الصورة قليلًا)، وبسط هيمنته على الكل بمساعدة رفيقه الآخر في الحكم "سنوبول".
ودون دخول في التفاصيل، ينفرد نابليون - أو كما صار واضحًا لكم: ستالين - بالحكم، ويبدأ تدريجيًا في إرجاع نفس "الاستغلال" والعبودية التي أقام الثورة لأجلها. ومع مرور الوقت يبدأ باستغلال السلطة والثورة لصالح جماعته من "الخنازير"، إذ أصبحت مع الوقت الطبقة الحاكمة التي تنفرد بأغلب الموارد.
كما ركز جورج على أمور لا بد لأي طامع في السلطة من الأخذ بها، كـ"العسكر القوي"، وهو ما ورد في الرواية على شكل الكلاب الشرسة التي أنقذته من سقوط سلطته أمام خطط سنوبول، وكذا "قوة إعلامية وبروباغندا خاضعة" تبرر كل الأفعال وتجملها للشعوب المقهورة حتى لا تشك، ولو للحظة واحدة، في قدرات الحاكم،
سنوبول:
كان هو الحاكم الثاني مع نابليون، ولكن بسبب طموحه المتقد في التقدم السريع والدائم وبناء الطاحونة، التي جاءت بعد تخطيط طويل، لم يتخذ سبل البقاء، إذ أسقطه نابليون بكلابه أثناء عرض خطة الطاحونة، وتم نفيه.
تمثل هذه الشخصية، بلا شك، زميل ستالين في الثورة وأحد أكبر منظري الماركسية، وهو الذي أسس الجيش الأحمر: ليف دافيدوفيتش برونشتاين، أو كما يلقب تروتسكي.
وكما هو واضح، يظهر التشابه بين طموح سنوبول والتقدم الدائم مع نظرية تروتسكي "الثورة الدائمة"، التي ترى أن الثورة يجب أن تعم العالم ككل، لا أن تبقى في دولة واحدة.
سكويلر وأبواق النظام:
يمثل ثالث الشخصيات واحدًا من أهم أدوات الأنظمة الشمولية التي تستعين بها لتنفيذ خططها عبر تخدير الشعوب وإيهامها بتحسن الحال، ولو أن الواقع خلاف ذلك.
كما يُستعان بها لتغيير الوصايا السبع في حال خالف الحاكم أحدها، وذلك بتعديلها ولو قليلًا. فعندما قام نابليون بالنوم على سرير المنزل، وهو ما كان ضمن الوصايا السبع التي تحرم استخدام ما خلفه المالك المستعمر، قام سكويلر بتعديلها لتصبح: "يمنع على كل حيوان النوم على سرير بأغطية".
وعندما أدمنت الطبقة الحاكمة على الخمر، وهو ما كان محرمًا أيضًا، تم تعديل الوصية لتصبح: "يمنع شرب الخمر حد الثمالة".
وهو ما يتسرب إلى العوام تلقائيًا حتى أصبحت الدجاجات تقول: "تحت القيادة الحكيمة للرفيق نابليون وضعت خمس بيضات في ستة أيام". ألا تذكرك هذه العبارات وما شابهها بواقع نعيشه؟
ولم يكتفِ الحاكم فقط بالإعلام، بل سيطر على أفواه المثقفين، كما فعل الشاعر مينيموس بقصيدة تبجيلية بعبارات "تأليهية" أمثال: مصدر السعادة، واهب الطعام، صديق اليتيم... إلخ.
والمفارقة الغريبة أن هذا ما حدث فعلًا بعد ثلاثة عقود من ذلك في حكم حافظ الأسد، الذي حول نفسه إلى ما سماه المختصون "عبادة الشخصية"، باعتباره القائد الأبدي الذي لا يمكن للدولة أن تقوم دونه.
كل هذه العوامل تجعل الشعوب في وهم مريح يمجد لها ما لم يحدث، ويحذرها من المستعمر في كل مرة تزداد فيها الأمور سوءًا، ككيان يهددهم دائمًا ويجعلهم خاضعين واهنين مستسلمين للحاكم.
وسنتطرق لعدة شخصيات أخرى على عجالة، لعلنا نجد فضاءً آخر لعرضها بتفصيل أكثر.
بعد أن استقر الحال في المزرعة بدأ نابليون تعاونًا مع المزارع المجاورة دون علم الشعب، لكونه خيانة لروح الثورة، إذ عقد عدة صفقات مع مزرعتي فوكسوود لصاحبها بيلغنتون ( بريطانيا والغرب ) ، ومزرعة بينشفيلد لصاحبها فريدريك، التي ترمز لألمانيا ورئيسها هتلر آنذاك.
وكذا شخصيات ثانوية أمثال الحصان بوكسر، كتجسيد للمواطن العامل الذي يعمل دون تعب ويبذل كل مجهود من أجل استمرار النظام، الذي تشرب شعارات يؤمن بها حد الموت: "سأعمل بجهد أكبر"، و"نابليون لا يخطئ".
ومع نهاية حزينة، عندما بلغ سن التقاعد، تم بيعه لجزار لكي يذبحه، مشيرًا جورج إلى قسوة هذا النظام بكونه يريد العامل الأقوى والأخلص دائمًا، ومهما قدمت من تضحيات، فعندما تضعف يتم استبدالك بآخر.
دورانية التاريخ وتبدل الطغاة
"وجاء جيل جديد من الحيوانات لا تعني له الثورة والعصيان شيئًا أكثر من كونهما تقليدًا بائدًا تتناقله الأفواه".
يقولها جورج صراحةً، إنه مهما كانت مبادئ الثورة موضوعية وتأصيلية، فلا بد بعد أجيال أن يتحول أولئك الثوار إلى طغاة دون أدنى دراية منهم.
إذ يقول:
"أصبحت المزرعة بطريقة أو بأخرى أكثر ثراءً دون أن تصبح الحيوانات نفسها ثرية، باستثناء الخنازير والكلاب بالطبع".
مع بقاء الشعب غارقًا في صور وتخيلات تنافي الواقع:
"وعند سماعها الرصاصات تطلق من البندقية وتشاهد العلم الأخضر يرفرف فوق قمة السارية، كانت قلوبها تمتلئ بفخر لا نهاية له، ويتحول الحديث دائمًا إلى أيام البطولة الغابرة وطرد جونز وكتابة الوصايا السبع والمعارك التي مزقوا فيها الأعداء إربًا. كما أنها لم تتخلَّ قط عن أحلامها القديمة، وما زالت على إيمانها بجمهورية الحيوان التي أعلنها الكهل ميجر ذات يوم".
ومع حتمية تكرار التاريخ لنفسه تغدو الوصية الوحيدة:
"جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها".
كقاعدة ثابتة تجعل فئة محددة تتوهم "السمو" و"النقاء" مقارنة بباقي البشر.
قال فيليب بولمان ذات مرة: "القصة تساعدنا على فهم أي شيء".
نعم، هي مزرعة حيوانات تمردت على ملاكها، ولكن تقف خلف تلك الحيوانات صورة لنا نحن البشر، بأفكارنا وطمعنا المستمر للسلطة والثروة.
شدني تعليق أحدهم على جود ريدز سنة 2008 يلخص أهمية هكذا كتب متجاوزةً الزمان والمكان:
"كتاب رائع. سيظل الناس يقرؤونه بعد ألف عام، عندما تصبح الشيوعية مجرد هامش في التاريخ."
التقييم: 9/10
#صالح






اعظم ما قرأت